سهيلة عبد الباعث الترجمان
149
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فإن " اللّه " عند أفلوطين هو الواحد بدون أي كثرة أو تعدد أو انقسام ، كما أنه لا يوجد في الواحد ثنائية الجوهر والعرض ، ومن ثم يرفض أفلوطين أن يتصف اللّه بأية صفة يقينية أو إيجابية « 1 » ففكرة الوحدة في اللّه هي الأساس في نظرية اللّه عند أفلوطين ، لذلك يحاول أفلوطين أن يسلب عن اللّه كل ما يوهم التعدد أو التركيب في ذاته من صفات وأفكار ، لذا ينكر أن يكون اللّه عقلا ، أو أن يكون وجودا ، بل وينكر أن يكون له صفة من الصفات ، فاللّه هو الذي لا صفة له ، ولا نعت له ، ولا يمكن إدراكه « 2 » . أما عن علاقة اللّه بالوجود ، فيفسرها أفلوطين بنظريته في الفيض ، فهي نظرية هامة لها أثرها البعيد في الفلسفة الإسلامية فيما بعد . يقول في هذا الشأن : " لأنه كامل فهو ينتج بالضرورة كائنات كاملة ، خالدة ، تشبهه وإن لم تساويه في الكمال ، وهو يفيض بالوجود بغير أن يتأثر بإرادة أو بحركة " . ويصور ذلك في عدة تشبيهات كقوله إن الفيض أشبه بالأشعة الصادرة عن الشمس ، أو الحرارة الصادرة عن النار ، أو البرودة الصادرة عن الثلج « 3 » . وليس الفيض بمفهومه لدى أفلوطين هو ما عرف لدى الصوفية ، إن الفيض يعرف لدى هؤلاء بالتجلّي « * » ، وعلى الرغم من استعمال بعض المتصوفة لغة الفلسفة الأفلاطونية المحدثة وأساليبها في التعبير عن الخلق باصطلاح الفيض ، إلّا أن مذهبهم في الفيض متميز عن هذه الفلسفة من حيث أن الفيوضات عندهم ليست إلّا تجليات لحقيقة واحدة في صور مختلفة ، على حين أنها عند أفلوطين سلسلة من الموجودات يفيض كل منها عن الوجود السابق عليه ، ويتصل به اتصال المعلول بعلّته ، فالفيوضات الأفلوطينية وإن كانت ترجع إلى أصل واحد ، فهي ليست هذا الواحد وليست مظهرا له ، « 4 » وبهذا يكون الفيض الأفلوطيني أقرب إلى القول بالمثل
--> ( 1 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، مرجع سابق ، ص 148 . ( 2 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، مرجع سابق ، ص . ص 124 - 125 . ( 3 ) مطر ( أميرة حلمي ) ، مرجع سابق ، ص 450 . ( * ) هناك فارق بين الفيض عند الفلاسفة والتجلي عند المتصوفة ، الفيض يحدث عبر متوسطات بين الخالق والمخلوقات بينما المخلوقات ليست إلا تجل للذات الإلهية عند المتصوفة . ( 4 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على فصوص الحكم ، دار الكاتب العربي ، بدون تاريخ ، ص . ص 8 - 9 .